الشنقيطي

261

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لأن قوله هنا : وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ يعني : علما وهدى تفرقون به بين الحق والباطل ، ويدل على أن المراد بالنور هنا الهدى ، ومعرفة الحق قوله تعالى فيمن كان كافرا فهداه اللّه : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [ الأنعام : 122 ] الآية . فجعل النور المذكور في الحديد ، هو معنى الفرقان المذكور في الأنفال كما ترى . وتكفير السيئات والغفران المرتب على تقوى اللّه في آية الأنفال ، كذلك جاء مرتبا أيضا عليها في آية الحديد ، وهو بيان واضح كما ترى . قوله تعالى : قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [ 31 ] الآية . قد بينا قبل هذا الآيات المصرحة بكذبهم ، وتعجيز اللّه لهم عن الإتيان بمثله . فلا حاجة إلى إعادتها هنا ، وقوله هنا في هذه الآية عنهم : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 31 ) رد اللّه عليهم كذبهم وافتراءهم هذا في آيات كثيرة كقوله تعالى : وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 ) [ الفرقان : 5 - 6 ] وما أنزله عالم السر في السماوات والأرض فهو بعيد جدا من أن يكون أساطير الأولين ، وكقوله : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 ) [ النحل : 103 ] إلى غير ذلك من الآيات : قوله تعالى : وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 32 ) [ 32 ] . ذكر هنا في هذه الآية الكريمة ما يدل على أن كفار مكة في غاية الجهل حيث قالوا : فَأَمْطِرْ عَلَيْنا الآية ، ولم يقولوا فاهدنا إليه ، وجاء في آيات أخر ما يدل على ذلك أيضا كقوله عنهم : وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ( 16 ) [ ص : 16 ] ، وقوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ [ الحج : 47 ] الآية ، وقوله : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ [ هود : 8 ] وذكر عن بعض الأمم السالفة شبه ذلك كقوله في قوم شعيب : فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 187 ) [ الشعراء : 187 ] ، وقوله عن قوم صالح : يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 77 ) [ الأعراف : 77 ] ، وسيأتي لهذا إن شاء اللّه زيادة إيضاح في سورة « سأل سائل » . قوله تعالى : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [ 34 ] . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بنفي ولاية الكفار على المسجد الحرام ، وأثبتها لخصوص المتقين ، وأوضح هذا المعنى في قوله : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ